القاهرة في التسعينات، الموسيقى منطلقة في كل ركن، تشعر وكأن معركة ما خاضها سكان القاهرة، ضد السماعات الخارجية، وانتصرت فيها الأخيرة انتصارا ساحقا، جعل من توقيع معاهدة الزامية على البشر شيء منطقي، ربما كانت المعاهدة تقتضي ان يضع الجميع سماعات خارجية كبيرة، في المحلات، عند الحلاق، الميكروباص، محلات العصير، في كل ركن كانت هناك سماعة ما تفرض ذوق صاحبها على من حوله.
ثقافة السماعات الخارجية، خلقت صوتا موسيقيا للشارع، بدون الاستعانة لأرقام التوزيع او النقاد الموسيقيين، كنت ستعرف بسهولة “مين اللي راكب ومسموع”، وستعرف الذوق العام ورغبات المستمعين اثناء تناولك لكوب عصير في معصرة، او اثناء رحلاتك اليومية بميكروباصات “الترامكو”، وفي فترة معينة في التسعينات، كان صوت الشارع عبارة عن صوت “طفل”، لا يوجد سبب منطقي يجعل الجمهور يتجه لسماع الأطفال في هذه الفترة، ولا يوجد سبب لتلك الموجة غير انها نجحت تجاريا فتم تكرارها، ليظهر طفل وراء الأخر، يغني اغاني قديمة او اغانيه الخاصة، لا يوجد فرق لدى الجمهور الذي احب نجومه الأطفال الجدد، ليحققوا نجاحا وسيطرة كبيرة على سوق الكاسيت في هذه الفترة الغزيرة والمتنوعة الانتاج الفني.
ضياء .. نجم الشارع الأول
صورة طفل مبتسم على غلاف شريط كاسيت، كتب تحتها “قلت اللي عندي”، كنت ستميزها معلقة داخل “تابلوه” ميكروباصات مصر في التسعينات، هي صورة “ضياء” ، التي كانت اعلان رسمي عن مدى سيطرته في هذه الفترة، حتى ان الميكروباصات اعلنته “زعيما” على الشارع المصري وقتها، وخاصة القاهرة التي كنت تسمع “ضياء” في كل ركن فيها. اغاني مثل “قلت اللي عندي يا زمن” و”الحق مش عليك” و”كشف حساب” ثلاثي من انجح الأغاني التي قدمها اطفال ربما في تاريخ الأغنية الشعبية المصرية
كان نجاح “ضياء” قويا وسريعا ومنتشرا بسرعة الصاروخ بعد انتاج البومه الأول، وربما كان السر ” بجانب صوت واداء وسن “ضياء” في الخلطة التي قدمها الشاعر الغنائي “مسعد الكومي” و”فايز جعفر” بالتعاون مع الملحن “صلاح الشرنوبي”، قدم “ضياء” بعد البومه الأول، اربعة البومات على التوالي “كشف حساب” نصيبي وقسمتي”، مالكم بينا” والبوم “مش دلوقتي”. لم تحقق نفس النجاح الكبير للألبوم الأول، الا انها ضمنت استمرارية الطفل “ضياء” في الشارع المصري.
طاهر مصطفي .. الطفل الأعمى الذي احبه الجميع
معجزة الطرب الأصيل، هذه ما كان يطلق عليه في قمة مجده وشهرته، الطفل كفيف البصر، ابن محافظة المنصورة “طاهر مصطفى” الذي كان متوقعها له ان يتربع على عرش الأغنية المصرية الطربية في المستقبل، بعد ان قدم 4 البومات اعاد فيها تقديم اغاني لأم كلثوم وعبد الوهاب. ولكن طاهر مثله مثل كل نجوم الطفولة كان يجب عليه التوقف عن الغناء في مرحلة النمو وتغير الصوت في فترة المراهقة، والتي لم يرجع منها “طاهر” كما كان، حاول عدة محاولات مع اغاني فريد الأطرش، ولكنها لم تكن في قوة ونجاح والأهم انتشار اغانيه التي قدمها في فترة الطفولة، فأكمل طريقه في الغناء الى ان توفى عام 2020 وهو في بداية الأربعينات.
شيماء الشايب .. ابن الوز عوام
هي الأبنة الصغرى للفنانة “فاطمة عيد” التي اشتهرت بتقديم لون غنائي مميز “شعبي فلاحي”، ولكن “شيماء” كان لها طريقا آخر حيث بدأت في طفولتها بغناء اغاني ام كلثوم ، سعاد محمد، ومحمد عبد الوهاب. تميزت “شيماء” بقدرراتها الصوتية، والتي مكنتها من اداء اغاني تراثية صعبة، بطريقتها الخاصة، التي اعجب بها الجمهور ووجدها فرصة للأستماع لهذه الاغاني بصوت وتوزيع جديد.
شيماء كانت حظوظها اكبر بين الاطفال الفنانين، من حيث عدد الالبومات او الاستمرارية على الساحة التي ساهمت فيها والدتها بقدر ما ، الا ان نجاح “شيماء” وهي كبيرة لم يتفوق ابدا على نجاحها وانتشارها في مرحلة الطفولة.
مصطفى حميدة .. علمني يابا
من قلب بني مزار بمحافظة المنيا، جاء الطفل “مصطفي حميدة” بصوته المميز الذي تشعر انه صوت طفل تحمل الألم في سن صغيرة، ربما كانت هذه الميزة سبب في نجاح وانتشار “مصطفى”، والتي جاءت ملائمة تماما للموضوعات التى غناها الفنان الصغير، والتي كانت تتمحور حول معاناة طفل في غياب والده في اغنية “بكتبلك يا بابا” والتي كانت سبب شهرة “حميدة، او معاناته مع زوجة والده ، او خوفه من الدنيا ومطالبته والده بتعليمه في اغنية “علمني يابا” .. ثلاثة البومات كانت حصاد الطفل “مصطفي حميدة”، الذي حاول الرجوع بعد غياب طويل عن الساحة الفنية وقام بتقديم البوم “احزان” الذي اغاد فيه غناء عدد اغانيه القديمة.
